الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية في ذكرى 26 جانفي 1978: عبد المجيد الصحراوي يكشف هذه الحقائق..

نشر في  26 جانفي 2016  (16:13)

بقلم: عبد المجيد الصحراوي

نقابي وقيادي سابق بالاتحاد العام التونسي للشغل

26 جانفي 1978:

بداية القطيعة بين الدولة والـمجتمـع.. بذور الثورة

رغم مرور قرابة الأربعين سنة على أحداث 26 جانفي الدامية، ورغم كل ما قيل وما كتب بشأنها، فانّها لم تستوف حظّها من الاستقصاء والتمحيص والتحليل. وحان الوقت لنفض الغبار عن تلك الواقعة التي زلزلت البلاد اذ لأوّل مرة منذ الاستقلال تتقرّر حالة الطوارئ وحظر التجول، ولأول مرة يسيل الدم وتزهق أرواح الأبرياء بالعشرات.

لقد فاق ضحايا أحداث 26 جانفي 78 ضحايا ثورة 14 جانفي 2011 من شهداء وجرحى فضلا عن المحاكمات التي شملت مئات النقابيين من قياديين ومناضلين قاعديين في أكبر محاكمات سيايسّة عرفتها البلاد، وكان الراحل الحبيب عاشور من أكثر من سلطت عليه أقسى العقوبات الظالمة، اذ قضت محكمة الدولة في حقه بعشر سنوات أشغالا شاقة في حين قضى المأسوف عليهما سعيد قاقي وحسين الكوكي نحبهما تحت التعذيب، فضلا عن احالة المئات من المناضلين النقابيين عن البطالة.

انّ المجال لا يتّسع لتدوين وقائع 26 جانفي 78 بكل حيثياتها وتفاصيلها، وهذا ما يدعو الى ادراج الملف في مسار العدالة الانتقالية، ولعله من المهم البدء بتدوين شهادات من عاشوا تلك الحوادث تفنيدا للمغالطات الكبرى التي نسج النظام خيوطها للتنصّل من المسؤولية، وتوريط الاتحاد العام التونسي للشغل زورا وبهتانا في أكذوبة التآمر على أمن الدولة وقلب النظام. انّ ما حدث في 26 جانفي 78 كان في سياق السّباق المحموم نحو الخلافة وكان بارونات النظام منشغلين أساسا بحرب المواقع في وقت كان فيه الزّعيم الحبيب بورقيبة يعاني أعراض الشيخوخة والمرض وهو ما استغله بن علي لاحقا للاستيلاء على الحكم في غفلة من الجميع.

وكان بن علي قد عرفه التونسيون وسمعوا باسمه يتكرّر في نشرات الأخبار والصحف، عندما نصّبوه على إدارة الأمن الوطني في ذروة أحداث 26 جانفي لقمع تلك الانتفاضة، وكانت بحق انتفاضة شعبيّة بأتمّ معنى الكلمة. فقد كان النظام في قطيعة مع هموم الشعب ومتاعبه الحياتية وبدأت بذور الانتفاضة منذ صائفة 1977 عندما التهبت الأسعار وكثرت المضاربات وانتعشت السوق السوداء، واندلعت الشرارة الأولى في خريف 77 عندما انتفض عمال النّسيج في مدينة قصر هلال ليمتد الغضب الشعبي الى غيرها من المدن المجاورة ليتحرّك النقابيون وعموم الشغالين والمواطنين في مدينة سوسة، وكنت آنذاك أتحمّل مسؤولية نقابية قاعدية في احدى المؤسسات الصناعية وخرجنا في مسيرة حاشدة انتهت بإيقاف العشرات في منطقة الأمن المحاذية لدارالاتحاد بسوسة.

فهناك تمّ اقتيادنا الى السجن المدني حيث بقينا عدّة أشهر في انتظار محاكمتنا وللعلم فقد كنت مع الاخوة المعتصمين وأسجّل في هذا السياق بعض التفاصيل التي عشتها شخصيا علّي أساهم بذلك في تسليط مزيد الأضواء على تلك الفترة الحالكة، فقد تمكنت من الإفلات من قبضة البوليس وبقيت في حالة فرار طيلة شهر وبعد ايقافي تم حبسي بزنزانة منفردة على ذمّة منطقة الشرطة ثمّ تمّ نقلي الى مستشفى فرحات حشاد حيث وجدت بعض النقابيين في حالة صحية متدهورة وذلك جراءالتعذيب وظروف الإيقاف أذكر من بينهم المرحوم عمر بلعجوزة والمرحوم الصادق قديسة ثم تمت اعادتنا من جديد الى مقر الحجز ومن ثم الى السجن المدني بسوسة حيث تعرّضت للضرب الى حدّ الإغماء من طرف المدعو عزالدين بالرابح مدير السجن آنذاك لا لشيء سوى لأنّ الحراس عثروا عندي على صحيفة «الرأي» وهوالأمر الذي حصل أيضا للأخ حافظ قمعون حيث تمّ التنكيل به.

ومات من شدة التعذيب الراحل حسين الكوكي لأنّه كان عنيدا في الحق أثناء البحث، ومن تأثير تلك الظروف القاسية التي كنّا نعيشها جميعا. وقبل موته ببضعة أيام، اقتيد للبحث، وبعد ساعات عاد الى الزنزانة منحني الظهر في حالة صحية متدهورة، ومكث ثلاثة أيام يئن ويتألم ويكثر من شرب الماء ويشير الى أماكن الآلام وهي الصدر والبدن والظهر، وكادت أبواب الزنزانة ان تتكسّر من كثرة الضرب عليها، وتعالت أصواتنا طوال يومين كاملين مستنجدة متوسّلة لنقله الى المستشفى. لقد دفع الاتحاد العام التونسي للشغل ومناضلوه ثمن تقصير السياسيين في أداء مهامهم وعجزهم عن ايجاد الحلول التي كانت تتطلبها البلاد فقد تراكمت في منتصف السبعينات الخيبات والأزمات اذ بعد ازمة 69 وطي صفحة التعاضد، دخلت تونس تجربة تنموية جديدة تحت شعار «النمود الاقتصادي والرقي الاجتماعي».

وانبنت تلك التجربة على القطاع الخاصّ وقطاع الخدمات والصّناعات الخفيفة فلم تستفد منها الاّ فئة قليلة بينما ازداد النزوح من الجهات الداخلية في غياب التنمية والتشغيل وارتفعت اعداد العاطلين والمهمّشين وتعملقت الأحياء الشعبية في غياب المرافق الأساسية وكان على الحزب الحاكم ان يكون له برنامج حكم ورؤية تنموية استراتيجية تأخذ في الاعتبار اختلال التوازن الصارخ بين الجهات والفئات الا انّه كان يفتقر الى ذلك،

بل كان همّه احتكار الحكم، ولو باستعمال العنف فكانت ميليشياته من أصحاب العضلات المفتولة والهراوات تلاحق المناضلين في محاولات يائسة لترويعهم، ووصل الأمر بأحد عناصر ميليشيا الحزب الى التهديد العلني، في أحد فنادق مدينة سوسة باغتيال الزّعيم الراحل الحبيب عاشور، وهي من الأسباب التي جعلت النقابيين ينتفضون ويقرّرون الاضراب العام يوم 26 جانفي 78.

في تلك الأجواء المكهربة، ظهرت للعلن الخلافات التي كانت كامنة صلب النظام اذ استقال ستّة وزراء بعد اقالة وزير الداخلية الطاهر بلخوجة في ديسمبر 77 في أوج غليان مدينة قصرهلال واتضح انّ هناك خلافات حول كيفية معالجة الوضع في البلاد، بين دعاة الحوار ودعاة التصلب، وكانت الغلبة لـ«صقور» النظام الذين واصلوا سياسة الهروب الى الأمام، فبينما كانوا يتصوّرون انه بالعنف والمحاكمات الباطلة يسيطرون على الأوضاع، فانّ العكس هو الذي حصل،

اذ كان زمام الأمور ينفلت يوما بعد يوم من أيديهم رغم شراسة القمع الذي سلط على النقابيين وعموم الشغالين والمواطنين يوم 26 جانفي 78 فما هي الاّ سنتان حتى وجد النظام نفسه في مواجهة انتفاضة جديدة وهي انتفاضة الخبز يوم 3 جانفي 1984 وقبلها صدمة الاعتداء على مدينة قفصة في مطلع جانفي 1980 وكانت تلك المحن من البذور التي انبثقت منها سنابل ثورة 14 جانفي 2011.